جيل يعمل كثيرًا ويكسب أقل: ماذا يحدث للاقتصاد الحقيقي؟

لم يحدث في التاريخ الحديث أن عمل الناس بهذا القدر، وبذات الوقت شعروا بهذا القدر من العجز المالي. ساعات العمل أطول، التوفر دائم، الرسائل لا تنتهي، والضغط النفسي في أعلى مستوياته، ومع ذلك… القوة الشرائية تتآكل، والادخار أصبح رفاهية، والاستقرار حلمًا مؤجلًا. هذه ليست حالة فردية ولا أزمة مؤقتة، بل ظاهرة اقتصادية عميقة تمس “الاقتصاد الحقيقي” من جذوره.

الاقتصاد الحقيقي لا يُقاس بالأرقام الضخمة في التقارير ولا بمؤشرات البورصة وحدها، بل بقدرة الإنسان العادي على العيش الكريم مقابل عمله. حين يعمل جيل كامل أكثر من الأجيال السابقة ويكسب أقل فعليًا، فهذه إشارة خلل بنيوي، لا مجرد تقلب دوري.

السبب الأول هو أن الأجور انفصلت عن الإنتاجية. العامل اليوم ينتج أكثر بفضل التقنية، لكن القيمة المضافة لا تعود إليه. تذهب إلى رأس المال، إلى المنصات، إلى الوسطاء الرقميين، وإلى كيانات ضخمة لا تشغّل بالضرورة أيدٍ عاملة بقدر ما تملك خوارزميات. النتيجة أن العمل فقد قدرته التقليدية على بناء الثروة الفردية.

السبب الثاني هو التضخم “الزاحف” لا الصادم. ليس تضخمًا يصرخ في العناوين، بل تضخمًا يسرق بصمت. السكن، التعليم، الصحة، النقل، حتى الوقت… كلها أصبحت أغلى، بينما الراتب يتحرك ببطء أو لا يتحرك أصلًا. في الحساب النهائي، الراتب الاسمي قد يزيد، لكن الراتب الحقيقي ينخفض.

ثم هناك اقتصاد الوظائف الهشة. العقود المؤقتة، العمل الحر غير المستقر، الاقتصاد القائم على الطلب، والعمل بالقطعة. هذا النمط لا يمنح أمانًا ولا يسمح بتخطيط طويل المدى. هو اقتصاد يُبقي الفرد مشغولًا دائمًا، لكنه يمنعه من التراكم. يعمل ليغطي الشهر، لا ليبني السنة.

الأخطر أن هذا الوضع يخلق مفارقة نفسية واقتصادية معًا: الناس تعمل أكثر لتقاوم الانزلاق، لا لتتقدم. ومع الوقت، يتحول العمل من أداة للترقي الاجتماعي إلى أداة للبقاء فقط. هنا يبدأ الاقتصاد الحقيقي في التآكل، لأن الاستهلاك يصبح دفاعيًا، والاستثمار الفردي يتراجع، والمخاطرة تختفي.

عندما يعجز جيل عن الادخار، يتوقف عن تأسيس أعمال جديدة. وعندما يعجز عن شراء مسكن، تتباطأ قطاعات كاملة. وعندما يشعر أن الجهد لا يُكافأ، ينخفض الدافع، وتظهر أعراض خطيرة: احتراق وظيفي، انسحاب اجتماعي، تشكك في النظام الاقتصادي نفسه.

الاقتصاد الحقيقي لا ينهار دفعة واحدة، بل يضعف تدريجيًا. تبدأ العلامات في حياة الناس اليومية قبل أن تظهر في البيانات الرسمية. تأخر الزواج، تراجع الإنجاب، تعدد الوظائف للفرد الواحد، هوس “الدخل الجانبي”، وانتشار القلق المالي حتى بين أصحاب الشهادات العالية.

نحن أمام انتقال تاريخي: من اقتصاد يكافئ العمل المستقر إلى اقتصاد يكافئ من يملك الأصول، المنصات، أو القدرة على التوسع. من يبيع وقته فقط يخسر على المدى الطويل، حتى لو كان مجتهدًا وموهوبًا.

السؤال الحقيقي ليس: لماذا يعمل هذا الجيل كثيرًا ويكسب أقل؟
بل: هل ما زال “العمل” بصيغته التقليدية قادرًا على حماية الإنسان اقتصاديًا؟

الإجابة غير المريحة هي: ليس دائمًا.

وهنا تظهر ضرورة إعادة تعريف العلاقة مع الدخل. ليس عبر الهروب من العمل، بل عبر تنويع مصادر القيمة: مهارة قابلة للتوسع، أصل رقمي، مشروع صغير، استثمار معرفي، أو حتى منصة شخصية. الاقتصاد الحقيقي القادم لن يرحم من يعتمد على مصدر واحد في عالم متعدد الصدمات.

ما يحدث اليوم ليس نهاية الاقتصاد، بل نهاية وهم قديم: أن الجهد وحده يكفي. الجيل الذي يفهم هذا مبكرًا لن يعمل أقل، لكنه سيعمل أذكى، وسيطالب بنصيب عادل من القيمة التي يخلقها.

أما من ينتظر عودة “الأيام الآمنة”، فسيكتشف أن الاقتصاد تغيّر… بينما كان مشغولًا بالعمل أكثر من اللازم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *